حسن حسني عبد الوهاب

60

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

الشؤون المهمة التي يعتزمون عليها ، مثل تجهيز الغزوات البعيدة بقصد إشراك الشعب فيها ، أو لمناسبة اختيار قضاة الجماعة إلى غير ذلك من الأغراض ، ومن ناحية أخرى كان الشعب نفسه يعقد فيه اجتماعاته حين يطرق البلاد حادث جلل يمسّ الصالح العام ، مثلما حصل عند خروج الثائر البربري الطائر الصيت : مخلد ابن كيداد المنعوت بصاحب الحمار على سلطان بني عبيد ، فقد انضمّ إليه أهل السنّة من سكّان القيروان بعد أن تجمهروا ألوفا بالمسجد الجامع وتفاوضوا طويلا حتى استقرّ قرارهم على تأييد الثائر ، والمشاركة في محاربة الفاطميين - سنة 333 ه - فمن الجامع الكبير خرج المقاتلون وزحفوا إلى أسوار مدينة المهدية عاصمة بني عبيد . فيتبين مما تقدم أن المسجد الجامع كان بالقيروان في عصوره الأولى بمثابة ( ألاكورا ) ( I'Agora ) ، تلك البطائح التي كانت مجتمع الشعب اليونانيّ ومحل مفاوضاته . ولعلّ من الطريف أن نشير إلى أن طائفة من البطّالين كانوا يتخذون من الجامع مقرّا لجلساتهم بقصد الأخذ من أعراض الناس وللنصب على المغفّلين ، فقد أفادنا الخشني في طبقاته " 1 " أنه " كانت بالقيروان طبقة تسمى " الرّكنية " كانوا لا شغل لهم ، فكان جلوسهم ومجتمعهم في ركن الجامع فلزمهم هذا الاسم ، وكان الناس يدارونهم ويتّقون ألسنتهم وكان فيهم رجل منهم يعرف بأبي القاسم المساجديّ كان خاصا بأبي العباس بن عبدون ( قاضي القيروان ) ، وكان مقلّا فكان ابن عبدون يرفقه ويصله ويجري عليه ويحسن إليه ، فحسده سائر أصحابه من " الرّكنيّة " واجتمع منهم أربعة في الإدارة عليه لينقطع ما بينه وبين ابن عبدون قطيعة لا يكون بعدها وصل أبدا ، فأتى أحد الأربعة إلى القاضي ابن عبدون فجلس عنده وحادثه ، ثم أخطر من ذكر الصحبة والصداقة وقلّة الوفاء ثم قال له : ما الذي حدث بينك وبين المساجدي ؟ فقال ابن عبدون : ما أعلم أنه كان حدث فيما بيني وبينه شيء ، فما الخبر ؟ فجعل الرجل يحيد له عن أن يخبره بشيء ثم خرج عنه ؛ فلما

--> ( 1 ) طبقات الخشني 188 .